أبي حيان التوحيدي
20
المقابسات
أبو حيان ينصرف أولا ينصرف ؟ فقلت : إن قبله مولانا لا ينصرف . فلما سمع هذا تنمّر وكأنه لم يعجبه ، وأقبل على واحد إلى جانبه وقال له بالفارسية سفها ، على ما قيل لي « 1 » . ثم قال : الزم دارنا وانسخ هذا الكتاب . فقلت : أنا سامع مطيع . ثم انى قلت لبعض الناس في الدار مسترسلا : إنما توجهت من العراق إلى هذا الباب ، وزاحمت منتجعى هذا الربيع ، لأتخلص من حرفة الشؤم ، فإن الوراقة لم تكن ببغداد كاسدة . فنمى إليه هذا أو بعضه ، أو على غير وجهه ، فزاده تنكرا ولما قارب الفراغ من كتابه أخذ في سرد ما لقيه من الصاحب ، وإبانة عذره في التشهير به وذكر مساويه فقال : ما ذنبي ، أكرمك اللّه ، إذا سألت عنه مشايخ الوقت ، وأعلام العصر ، فوصفوه بما جمعت لك في هذا المكان ؟ على أنى قد سترت شيئا كثيرا من مخازيه ، إما هربا من الإطالة ، أو صيانة للقلم عن رسم الفواحش ، وبث الفضائح ، وذكر ما يسمج مسموعه ، ويكره التحدث به . سوى ما فاتنى من حديثه ، فإني فارقته سنة 370 . وما ذنبي إن ذكرت عنه ما جرّ جرّعنيه من مرارة الخيبة بعد الأمل ، وحملني عليه من الاخفاق بعد الطمع ، مع الخدمة الطويلة ، والوعد المتصل ، والظن الحسن ! حتى كأني خصصت بخساسته وحدى ، أو وجب أن أعامل بها دون غيرى ؟ قدّم الىّ نجاح الخادم - وكان ينظر في خزانة كتبه - ثلثين مجلدة من رسائله ، وقال : يقول لك مولانا : انسخ هذا ، فإنه قد طلب منه بخراسان ؟ فقلت - بعد ارتياع - هذا طويل ، ولكن لو أذن لي لخرّجت
--> ( 1 ) وهذا دليل على أن أبا حيان لم يكن يعرف الفارسية . وهو أمر عجب